
أ. جمعان علي العمير
ما أحلاك يا بلدي حين تشرق الشمس على مآذنها وكنائسها وحين يختلط صوت الباعة في الأسواق برائحة الخبز الطازج وحين يظل الأطفال يركضون في الأزقة حاملين أحلاماً أكبر من جدرانها الضيقة، بلادي ليست حزباً ولا فصيلاً ليست شعاراً ولا سلاحاً بل هي الأرض التي تحتضن الجميع والسماء التي تظلّل الكل والذاكرة التي تحفظ أسماء الشهداء والعمال والفلاحين والمعلمين، هي الأم التي لا تفرّق بين أبنائها والبيت الذي لا يغلق أبوابه في وجه أحد، من سهولها الممتدة إلى جبالها العالية ومن أنهارها التي تروي العطاش إلى بساتينها التي تمنح الثمر كل شيء فيها يهمس بالحب، الأرض هنا ليست مجرد تراب بل هي ذاكرة الأجداد وعرق الكادحين ودموع الأمهات اللواتي يزرعن الأمل في قلوب أبنائهن، ما أحلاك يا بلدي حين يكون الإنسان هو القيمة العليا حين تُصان كرامته ويُحترم صوته ويُفتح له الطريق ليبني ويبدع ويعيش بسلام، لا مكان فيك للانقسام ولا حاجة لرايات تتنازع على جسدك فأنت أكبر من كل الشعارات وأبقى من كل الأيديولوجيات، ما أحلاك يا بلدي حين تُصبح الكلمة الصادقة سلاحاً أقوى من الرصاص وحين يتحول القلم إلى جسرٍ بين القلوب يكتب عنك بمداد الحب لا بمداد الخوف، ما أحلاك حين يلتقي الناس في ساحاتك لا ليختلفوا بل ليغنوا معاً أغنية الحياة وليزرعوا في ترابك بذور الأمل، في كل حجر من بيوتك القديمة وفي كل نافذة تطل على الشارع هناك قصة إنسان، قصص الفقراء الذين صنعوا من العدم حياة وقصص الأمهات اللواتي ربّين أجيالاً رغم القسوة وقصص الشهداء الذين رحلوا ليبقى الوطن حياً، هذه الذاكرة لا تموت لأنها محفورة في وجداننا ولأنها هي التي تجعلنا نردد ما أحلاك يا بلدي، الوحدة الحقيقية ليست في الشعارات المرفوعة بل في الأيادي المتشابكة وفي العيون التي تلمع بالثقة وفي القلوب التي تعرف أن الوطن أكبر من كل خلاف، ما أحلاك يا بلدي حين تكون لنا جميعاً حين نراك بيتاً واحداً لا يفرّق بين ابنٍ وابن ولا يضع حدوداً بين حيٍّ وحيّ، نريدك يا بلدي أن تكون مدرسةً للحب أن يتعلم أبناؤك أن الكرامة لا تُشترى وأن الحرية لا تُباع وأن الإنسان هو القيمة العليا، نريدك أن تكون منارةً للسلام لا ساحةً للصراع وأن تبقى صورتك في قلوبنا كما هي جميلة نقية صامدة، ما أحلاك يا بلدي بلا بعث ولا قسد بل بحب أبنائك جميعاً وبوحدتهم وبإصرارهم على أن تبقى أنت الحلم الذي لا ينكسر والقصيدة التي لا تنتهي.
