4.4 C
دمشق
24.01.2026
الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

تراث مدينة حمص القديمة.. السوق المسقوف الأثري شاهد على التاريخ والاقتصاد

يُعدّ السوق المسقوف الأثري من أبرز معالم مدينة حمص القديمة، وأحد أهم أسواقها من الناحيتين التاريخية والاقتصادية، ويُعرف محلياً باسم «السوق المقبي». وهو أكبر الأسواق القديمة في المدينة وأكثرها عراقة، ويشكّل معلماً أثرياً مميزاً مخصصاً للمشاة فقط، إذ يضم مجموعة من الأسواق الفرعية التي تتصل ببعضها لتكوّن ما يُعرف بالسوق المسقوف، نظراً لكون أجزاء واسعة منه مغطاة.

تعود نشأة هذه الأسواق في معظمها إلى العهدين الأيوبي والمملوكي، فيما أضيفت إليها أجزاء أخرى خلال الفترة العثمانية، ما أكسبها طابعاً عمرانياً وتاريخياً متنوعاً يعكس المراحل التي مرت بها المدينة. وقد استمدت الأسواق أسماءها من المهن والحرف التي كانت تُمارس فيها، أو من طبيعة البضائع المعروضة داخلها.

وعلى مرّ الزمن، تعرّض السوق المسقوف لعدة عوامل طبيعية وبشرية، كالهزات الأرضية والحرائق وأعمال التخريب والإهمال، إلا أنه شهد في فترات مختلفة مراحل ازدهار ملحوظة، مستفيداً من موقع حمص الجغرافي المتوسط على طرق القوافل التجارية، ودورها كمحطة رئيسية للتبادل التجاري بين المناطق.

في بداياته، شكّل السوق المسقوف ملتقى للقوافل القادمة من مختلف الجهات، ومكاناً لتجمع أصحاب الحرف اليدوية والتجار القادمين من القرى والأرياف المجاورة لعرض منتجاتهم. ومع تطور الحياة الاقتصادية، أخذ السوق يتوسع تدريجياً ليصل إلى شكله الحالي، حيث ضمّ في مطلع القرن العشرين عدداً من المصارف والبنوك، من أبرزها بنك «سلوم» الذي لم يعد قائماً اليوم. كما كانت تمر في بعض أجزائه السيارات ووسائل النقل قبل أن يُغلق لاحقاً ويُخصص للمشاة فقط.

وينقسم السوق المسقوف إلى عدد من الأقسام والأسواق الفرعية، لكل منها اختصاصه التجاري. ويأتي في مقدمتها سوق النوري، الذي كان يُعرف سابقاً بسوق «القوافة» أو «الصرماتية»، نظراً لاشتهاره ببيع الأحذية، وخاصة الصرمايات الحمراء التي كانت رائجة قبل أربعينيات القرن الماضي. ومع مرور الوقت، بدأت تدخل إليه بضائع متنوعة منذ خمسينيات القرن الماضي، كالنوفوتيه والفاتورة، ليغدو اليوم سوقاً لبيع الملابس والذهب والسكاكر. ويمتد السوق غرباً باتجاه سوق الحسبة، الذي يضم محال لبيع المواد الغذائية والمكتبية والمنزلية، إضافة إلى الحلويات والأسماك واللحوم.

أما سوق البازرباشي، فكان يُعرف قديماً باسم «سوق النسوان»، حيث كانت النساء يقمن ببيع الأغراض القديمة أو المستعملة، في دلالة واضحة على مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية آنذاك. واستمرت هذه الظاهرة حتى ستينيات القرن الماضي، وكانت بضائع النساء تشمل الألبسة النسائية، والمصنوعات اليدوية، وبعض المأكولات المنزلية، قبل أن يتحول السوق حالياً إلى تجمع لمحال الأقمشة والذهب.

ويبرز كذلك سوق المنسوجات والصاغة، الذي تتفرع منه أسواق صغيرة لبيع الأنسجة والحرير ولوازم الخياطة. وفي منطقة سوق المعصرة، التي اشتق اسمها من ممارسة عصر دبس العنب، لا تزال آثار المعصرة الحجرية ظاهرة داخل أحد المحال التجارية في الجهة الشمالية الشرقية. وقد تحولت المنطقة لاحقاً إلى محال تجارية، في حين استُخدم الطابق العلوي حتى عام 1959 من قبل الخياطين، ثم كمستودعات لبيع الأقمشة والنوفوتيه، ويتألف الطابق الأرضي من ثلاثة عشر محلاً تجارياً.

ويُعدّ سوق القيسارية من الفروع المهمة لسوق حمص الأثري، إذ لعب دوراً اقتصادياً بارزاً، وكان مركزاً لاستراحة المسافرين وتبادل السلع، مشابهاً في وظيفته للخانات القديمة أو الفنادق الحديثة. وتركز نشاطه التجاري قديماً على تجارة الحرير الطبيعي وصناعة منتجاته، إلى جانب حياكة الشراشف والستائر المزخرفة بالخيوط الذهبية، والشملات الحريرية، ونسج العباءات على الأنوال اليدوية. أما اليوم، فيغلب على محاله بيع الألبسة والأقمشة الجاهزة.

وفي سوق العبي والخياطين، الذي كان يُعرف سابقاً بسوق القطن، ازدهرت مهن الخياطة العربية وتنجيد وبيع البسط. كما يحتفظ سوق العطارين بخصوصيته التاريخية، إذ اشتهر بتجارة الأعشاب الطبية والعطرية، ويضم آلاف الأصناف من النباتات الطبيعية والتوابل والزيوت والعطور، مثل البابونج والكمون والكزبرة وحبة البركة والزعتر البري والورد الجوري وغيرها.

أما سوق العرب، فيختص ببيع الفرو والخيوط والحبال بمختلف أنواعها، ليشكّل مع بقية الأسواق لوحة متكاملة تعكس غنى التراث الحمصي وتنوّع أنشطته الاقتصادية.

ويبقى السوق المسقوف الأثري في حمص ذاكرة حيّة للمدينة، وشاهداً على تاريخها الاجتماعي والاقتصادي، وحاضناً لتراثها العريق الذي ما زال ينبض بالحياة حتى اليوم.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق