
أ. خالد الغزي
لم يعد خافياً على أحد أن شوارع العاصمة دمشق وأرصفتها باتت مسرحاً مفتوحاً لفوضى عارمة تقودها آلة موت صامتة؛ فظاهرة الدراجات النارية بمختلف أنواعها وأحجامها تتحول يومياً إلى كابوس حقيقي يهدد سلامة المواطنين وأمنهم، وسط تقاعس حكومي واستهتار مستمر بات ينذر بكوارث لا تحمد عقباها.
فمنذ فترة ليست بعيدة، أصدرت الجهات الحكومية تعليمات صارمة تقضي بمنع حركة الدراجات النارية في شوارع العاصمة، ونفذت الدوريات الأمنية والمرورية حملات محدودة لحجز عدد منها. غير أن تلك القرارات بدت وكأنها “حبر على ورق” أو حماسة عابرة، سرعان ما تبخرت لتعود العاصفة أشد ضراوة وأكثر تنوعاً في أشكال مخالفتها.
فوضى الطرقات والأرصفة خطر يترصد المارة:
تشغل الدراجات النارية اليوم الطرقات والأرصفة بلا إسترشاد ولا رقيب، متسللة بمهارة مميتة بين السيارات في الشوارع الرئيسية والمزدحمة، لتصبح خطراً محدقاً بالمارة والمشاة على حد سواء. إنها لا تكتفي بعدم الالتزام بقوانين السير العادية، بل تتعمد مخالفتها بشكل صريح وصارخ، متجاوزة الإشارات الضوئية والسير بعكس الاتجاه وأصوات ضجيج وفوضى.
ويتساءل الشارع الدمشقي بحرقة وألم: أين الخلل؟ أهو في قصور القوانين والإجراءات الحكومية، أم في استهتار مطلقي العنان لهذه الدراجات من سائقين لا يكترثون بحياة ولا بقانون؟
الواقع المعيشي يشهد على أن الأضرار لم تعد تقتصر على حوادث المرور المروعة والسرعات الجنونية، بل تعدتها لتشمل جرائم منظمة؛ كاستخدام الدراجات في سرقة حقائب النساء وخطف الهواتف الذكية على حين غرة، فضلاً عن الممارسات الطائشة والاستعراضات البهلوانية الخطيرة كالسير على دولاب واحد وسط الزحام، في تحدٍ سافر لمشاعر المارة وأرواح الأبرياء.
مقارنة مؤلمة وغياب للبنى التحتية:
في أبسط القواعد المرورية وأفقر دول العالم، تُخصص مسارات آمنة ومستقلة للدراجات النارية حماية لراكبيها وللمشاة على حد سواء. وهنا يبرز السؤال المشروع: أين نحن من هذه الأبجديات التنظيمية، ولماذا نتقاعس عن إقرارها وتطبيقها بحزم؟
إن الاتكاء على غياب البنى التحتية لا يبرر بحال من الأحوال هذا التمادي في الفوضى، فالدولة التي تعجز عن تنظيم حركة المرور في قلب عاصمتها تبدو وكأنها تتخلى عن أبسط واجباتها في توفير بيئة آمنة لمواطنيها.
نداء أخير.. قبل أن يختنق الياسمين:
تئن عاصمة الياسمين اليوم تحت وطأة الخطر. وبدلاً من أن يعبق الهواء برائحة الياسمين، باتت الشوارع تنفث روائح الموت والخوف المحدق بالمواطن في كل مكان وزمان، وكأن الأمان أصبح رفاهية لا تمنح إلا للمتهورين.
من هذا المنطلق، نناشد الحكومة وخصوصاً وزارة الداخلية، مرة أخرى وثانية وعاشرة، أن تلتفت بجدية ومسؤولية إلى هذه الظاهرة السلبية الخطرة التي باتت مفرخة للجرائم والحوادث المرورية المميتة.
إن الدولة بمؤسساتها مسؤولة مباشرة عن حماية أرواح مواطنيها، وأي صمت أو تراخ قبالة هذا الاستهتار لم يعد مقبولاً بأي شكل من الأشكال.
الشوارع تنتظر حزماً يضع حداً لموت سائر على عجليتن، فهل من مجيب؟
