33 C
دمشق
01.09.2026
الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

قناة السويس: شريان مصر الذي لا يُساوَم عليه

قناة السويس ليست جسَّ نبض… إنها نبض مصر

ما أن يُطرح الحديث عن قناة السويس حتى يستيقظ في وجدان المصريين تاريخ كامل. ليست القناة مجرد مجرى مائي تمر فيه السفن، وليست أصلاً مالياً يوضع في جدول الأصول ثم يُبحث عن سعره عند اشتداد الأزمة. قناة السويس حكاية وطن؛ حكاية آلاف المصريين الذين شاركوا في حفرها، وحكاية الدم والعرق والقهر، ثم حكاية التأميم والعدوان، وصولاً إلى اللحظة التي أصبحت فيها القناة عنواناً للسيادة المصرية.

ولهذا فإن مجرد طرح فكرة التصرف فيها، بأي صورة كانت، يستحق أن يتوقف أمامه الجميع. وهنا أختلف مع من يطالبون بالقفز مباشرة إلى اتهام صاحب الفكرة بالخيانة أو العمالة؛ فالخيانة جريمة، والعمالة اتهام خطير، ولا يجوز أن نحول الغضب الشعبي إلى أحكام قضائية على مواقع التواصل. لكن في المقابل، لا يجوز أن نطلب من المصري أن يصمت عندما يسمع كلاماً يمس أصلاً سيادياً بهذا الحجم. من حقه أن يسأل، ومن حقه أن يغضب، ومن حقه أن يعرف الحقيقة كاملة.

هل كان الحديث عن بيع قناة السويس فعلاً؟ أم عن مشاركة؟ أم عن استثمار؟ أم عن طرح نظري؟ أم كان مجرد اختبار لرد فعل الشارع؟ نريد إجابة واضحة، لا مساحة رمادية. فإذا كان الأمر مجرد «جس نبض»، فإن الرسالة التي أرسلها المصريون واضحة: لا تختبروا نبضنا في قناة السويس.

هناك ملفات اقتصادية كثيرة يمكن مناقشتها، وهناك أصول يمكن تقييم جدوى الاستثمار فيها، وهناك مشروعات يمكن أن نختلف حولها، لكن قناة السويس ليست كأي أصل. والسؤال الأكبر الذي يفرض نفسه ليس فقط: ماذا سنفعل بالقناة؟ بل: كيف وصلنا أصلاً إلى مرحلة يصبح فيها بيع الأصول أو التصرف فيها مطروحاً كحل لأزمة اقتصادية؟

هنا يجب أن نتحدث بشجاعة. الاقتراض ليس جريمة في ذاته، والدولة قد تلجأ إلى الاقتراض لتمويل مشروعات واستثمارات تحقق عائداً للأجيال القادمة، لكن السؤال الحقيقي هو: أين ذهبت الأموال؟ وما العائد الذي عاد على المواطن؟ وإذا أنفقت أموال ضخمة على البنية التحتية والطرق والمدن الجديدة، فمن حق المواطن أن يسأل عن نصيبه من ثمار هذا الإنفاق. هل تحسن التعليم بما يكفي؟ هل أصبحت المستشفيات قادرة على تقديم خدمة تليق بالمصري؟ هل انخفضت أعباء المعيشة؟ هل أصبح السكن في المدن الجديدة متاحاً للطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل؟ هل زادت فرص العمل والإنتاج؟

هذه ليست أسئلة معارضة ولا مؤيدة؛ هذه أسئلة مواطن يدفع الثمن. ولا ينبغي أن نصل إلى لحظة يشعر فيها المواطن أن الدولة تبني مدناً جميلة، بينما هو يقف خارج أبوابها لأن أسعارها أكبر من قدرته. ولا ينبغي أن يتحول الاقتصاد إلى معادلة مرعبة: نقترض، نبني، نعجز عن السداد، ثم نبحث عما يمكن بيعه.

لا يا سادة.

الاقتصاد ليس «خزنة» نفتحها كلما احتجنا إلى المال، والدولة ليست شركة خاصة تتخلص من أصولها واحدة تلو الأخرى لسداد فواتير أخطاء سابقة. نحن بحاجة إلى مراجعة حقيقية للسياسات الاقتصادية، وإلى شفافية في حجم الديون، وتكلفة المشروعات، وعوائدها، وأولويات الإنفاق. نحتاج إلى اقتصاد ينتج، لا اقتصاد يبيع؛ إلى صناعة تصدّر، وإلى زراعة أقوى، وإلى تعليم حقيقي، وإلى صحة تحفظ كرامة الإنسان، وإلى سياحة تجلب العملة الصعبة، وإلى استثمار يخلق فرص عمل، لا مجرد مشروعات ترفع أسعار الأراضي.

أما قناة السويس، فالمطلوب ليس بيعها ولا رهنها ولا تحويلها إلى ورقة في مفاوضات مالية. المطلوب هو تعظيم عائدها، وتطوير الخدمات المرتبطة بها، وتحويل موقع مصر الاستراتيجي إلى قوة اقتصادية حقيقية.

ولمن يتعامل مع الوطن بمنطق الأرقام فقط أقول: هناك أشياء في حياة الأمم لا تقاس بالمال وحده. الأرض ليست مجرد عقار، والتاريخ ليس مجرد أرشيف، والسيادة ليست سهماً في البورصة، وقناة السويس ليست مجرد إيراد سنوي؛ إنها جزء من صورة مصر أمام نفسها وأمام العالم.

واليوم، وسط هذا الجدل، أخشى أن نصل ذات يوم إلى مرحلة يصبح فيها المواطن مضطراً لأن يسأل: ماذا بقي لنا؟ وهنا يأتي السؤال الساخر المرير: هل سنختلف غداً حول بيع الهرم؟ هل سنبحث بعده عن مشترٍ لأبي الهول؟ بالطبع لا، لأن المصري يعرف أن هناك أشياء لا تُباع. وهذا هو بالضبط ما يجب أن نفهمه في ملف قناة السويس.

ليس المطلوب أن نقدس الأشخاص، ولا أن نعصم الحكومات من الخطأ، ولا أن نحول الدولة إلى كيان فوق النقد. بل العكس تماماً: من يحب مصر ينتقد عندما يرى خطأ، ويسأل عندما لا يفهم، ويطالب بالشفافية عندما يتعلق الأمر بأموال الشعب. لكن في الوقت نفسه، يجب ألا نتهم أحداً بالخيانة دون دليل.

فلنضع الأشخاص جانباً للحظة، ولنضع الأسماء جانباً، ولنطرح السؤال الذي يهم مصر كلها: هل قناة السويس خط أحمر؟

إجابتي كمصرية واضحة: نعم. ليس لأنها فوق النقد، بل لأنها فوق منطق البيع والتفريط.

ومن أخطأ في إدارة الاقتصاد فليُحاسب سياسياً وقانونياً وفق الأدلة والقانون، ومن أساء استخدام المال العام فليُحاسب، ومن اتخذ قراراً خاطئاً فليتحمل مسؤوليته. أما المواطن، فلا ينبغي أن يُطلب منه في كل أزمة أن يدفع من مستقبل أبنائه.

فمصر ليست تركة يتوارثها أصحاب النفوذ، وقناة السويس ليست ملكاً لحكومة أو حزب أو رجل أعمال. إنها ملك الدولة المصرية والشعب المصري، وحمايتها مسؤولية كل من يتولى إدارة هذا الوطن.

ولذلك أقولها بلا مواربة: أنقذوا الاقتصاد… نعم. أصلحوا الإدارة… نعم. حاسبوا المقصر… نعم. راجعوا المشروعات والديون… نعم. لكن لا تجعلوا قناة السويس فاتورة لسداد أخطاء الاقتصاد.

فبعض الأشياء إذا بيعت، لا يمكن شراؤها من جديد. ومن يفرّط في شريان وطنه، لا يستطيع أن يعيد إليه نبضه بعد فوات الأوان.

قناة السويس ليست جسَّ نبض… إنها نبض مصر.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق