
الكاتبة الروائية: هدى حجاجي أحمد- القاهرة
هناك هدوء لا ينبع من السلام، بل من كثرة ما خاضته الروح حتى أتعبها الاستمرار في المقاومة. قد يظن الآخرون أن الإنسان بخير لأنه لم يعد يشتكي، بينما بعض الصمت ليس شفاءً، بل مرحلة من التعب حين تعجز الروح عن شرح ما يؤلمها.
المتعب لا يكره الحياة، لكنه يتعب من مقاومتها. وليس كل من ابتعد متكبراً، ولا كل من قلّ كلامه فقد اهتمامه؛ فقد يكون استنزفته الخيبات وكثرة التبريرات والمحاولات التي لم تصل إلى شيء. أحياناً لا يريد الإنسان أن ينتصر، بل يريد فقط أن يتوقف عن القتال، وأن يجد مكاناً هادئاً لا يُطالَب فيه بأن يكون قوياً.
الصمت ليس دائماً رضا؛ فهناك صمت يأتي بعد اقتناع، وآخر يأتي بعد خيبة. قد يصمت الإنسان لأنه قال كل ما يستطيع ولم يجد من يسمعه، وقد يتوقف عن العتاب لأنه أدرك أن بعض القلوب لا تصل إليها الكلمات.
وبعد الخيبات، يتعلم المتعبون الاقتصاد في المشاعر؛ لا يثقون بسهولة ولا يمنحون قلوبهم كاملة من اللقاء الأول. ليسوا قساة، لكنهم عرفوا أن القلب حين ينكسر لا يعود كما كان. ويتعلمون أن الرحيل ليس دائماً هزيمة، بل قد يكون أول انتصار على ما يؤذيهم.
هناك أوجاع لا تُروى؛ تراكمات صغيرة، خيبات متتابعة، أحلام مؤجلة، وأشخاص رحلوا أو تغيروا. ثم يأتي يوم يصبح فيه الإنسان هادئاً على نحو غريب؛ لا يبكي ولا يصرخ، فقط يبحث عن نجاة هادئة داخله.
لهذا، يحتاج المتعبون إلى الرحمة لا إلى الأحكام. قد لا نستطيع حل مشكلاتهم، لكن يمكننا ألا نزيدها. كلمة طيبة، وعناق صادق، ومساحة آمنة للصمت، قد تكون أعظم من ألف نصيحة.
فلا تحكم على هدوء أحد؛ فقد يكون ثمرة سلام، وقد يكون آخر ما تبقى من طاقته على المقاومة.
بعض المتعبين لا يريدون أن تنقذهم… يريدون فقط ألا يضطروا إلى إنقاذ أنفسهم طوال الوقت.
