23 C
دمشق
18.08.2026
الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

محمد غميرة.. اختبار دولة القانون يبدأ من أقسام الشرطة

لم تعد قضية الشاب محمد غميرة مجرد واقعة أثارت غضباً عابراً على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا حادثة يمكن اختزالها في خطأ فردي ينتظر أن تهدأ ردود الفعل حوله.

فقد أوقف غميرة في مخفر الحفة بمدينة اللاذقية على خلفية خلاف مدني، وكان يعاني من مرض الناعور، ثم خرج من مكان احتجازه بحالة صحية حرجة قبل أن يفارق الحياة في المستشفى.

وقد جاء موقف وزير الداخلية واضحاً في الإقرار بالتجاوز الذي تعرض له، والتأكيد على أن من تثبت مسؤوليته سينال جزاءه وفق القانون، بالتوازي مع تشكيل لجنة تحقيق عاجلة ومنحها مهلة محددة للوصول إلى النتائج.

ومن المهم هنا التوقف عند هذه الاستجابة لا باعتبارها نهاية القضية، وإنما باعتبارها بداية الاختبار الحقيقي.

فحين تقر السلطة بوقوع تجاوز داخل إحدى مؤسساتها، فإنها تفتح الباب أمام السؤال الأهم: كيف وقع هذا التجاوز؟ ومن سمح بوقوعه؟ وهل نحن أمام تصرف فردي معزول، أم أمام سلوك يحتاج إلى مراجعة أوسع داخل بيئة العمل الشرطي؟ هذه الأسئلة لا تنتقص من الدولة، بل هي جزء من بناء الدولة؛ لأن المؤسسة القوية ليست تلك التي تخفي أخطاء أفرادها، وإنما التي تمتلك الشجاعة المؤسسية للاعتراف بها والتحقيق فيها وتصحيحها.

وفي قضية غميرة تحديداً، تبدو المسؤولية أكثر إلحاحاً، لأن الحديث ليس عن مشادة عابرة داخل مؤسسة مدنية، وإنما عن شخص كان في عهدة الشرطة، أي تحت مسؤولية مؤسسة تملك سلطة قانونية على حريته وسلامته في الوقت نفسه.

والموقوف، مهما كانت الشكوى الموجهة إليه، لا يفقد حقه في الكرامة ولا يصبح جسده مباحاً للعقوبة خارج إطار القضاء.

التوقيف ليس حكماً، والتحقيق ليس عقوبة، والاشتباه لا يمنح أحداً حق الإيذاء.

وإذا كان من حق الشرطة أن تحقق في الشكاوى وأن تتخذ الإجراءات القانونية اللازمة، فمن واجبها في المقابل أن تضمن سلامة الموقوف وأن تراعي حالته الصحية، خصوصاً عندما تكون معلومة لديها.

وهنا تكتسب حالة غميرة بعداً قانونياً وإنسانياً بالغ الحساسية؛ فمرض الناعور ليس تفصيلاً طبياً هامشياً يمكن تجاهله، بل حالة تجعل أي اعتداء جسدي أكثر خطورة، وهو ما يجعل مسألة الرعاية الطبية وواجب الحماية أثناء الاحتجاز جزءاً أساسياً من التحقيق في المسؤولية.

لكن العدالة تقتضي في الوقت ذاته أن يأخذ التحقيق مداه كاملاً، وأن يحدد ليس فقط من مارس الاعتداء، وإنما أيضاً طبيعة الأفعال التي ارتكبت، ومدى صلتها بالتدهور الصحي والوفاة، وما إذا كان هناك تقصير في الرعاية أو في منع التجاوز أو في التعامل مع حالته الصحية.

فالمحاسبة القانونية الدقيقة لا تكتفي بالسؤال: من اعتدى؟ بل تسأل أيضاً: من كان يعلم؟ ومن كان مسؤولاً؟ وهل كان بالإمكان منع ما حدث؟ وهل جرى التعامل مع حالة الموقوف وفق الأصول؟ وهنا تظهر أهمية اللجنة التي شكلها وزير الداخلية والمهلة الزمنية المحددة لها.

فالسرعة في التحقيق مهمة، خصوصاً في قضية تتعلق بوفاة شخص داخل مكان احتجاز، حيث إن كل تأخير قد يضر بالحقيقة، لكن السرعة وحدها لا تكفي؛ المطلوب تحقيق مهني يصل إلى نتائج واضحة وقابلة للبناء عليها، ثم تتحول هذه النتائج إلى إجراءات قانونية واضحة.

ومن هنا يمكن النظر بإيجابية إلى موقف وزير الداخلية، ليس من باب المجاملة السياسية، وإنما لأن الاستجابة السريعة في مثل هذه القضايا هي الحد الأدنى الذي تحتاجه دولة تحاول إعادة بناء الثقة مع مواطنيها.

لكن الإشادة الحقيقية بأي قرار لن تكون في لحظة صدوره، وإنما في ما سيأتي بعده: هل ستظهر الحقيقة؟ هل ستحدد المسؤوليات؟ وهل سيجد المواطن أن القانون يطبق بالفعل عندما يكون المتهم أحد أفراد المؤسسة الأمنية؟ هذه هي النقطة التي تستحق أن تُراقب بعناية.

فالمحاسبة هنا لا ينبغي أن تكون مجرد استجابة للغضب الشعبي، بل ينبغي أن تكون جزءاً من سياسة مؤسسية ثابتة.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يصبح التعامل مع الانتهاكات مرتبطاً بمدى انتشار القضية على وسائل التواصل الاجتماعي؛ القضية التي تصل إلى الجمهور تتحرك، والقضية التي لا يسمع بها أحد تُنسى.

دولة القانون لا تعمل بهذه الطريقة.

القانون يجب أن يحمي المواطن المعروف والمواطن المغمور بالقدر ذاته، وأن تكون كرامة الإنسان محمية حتى عندما لا توجد كاميرا توثق ما يحدث.

وربما هنا تحديداً تكمن أهمية قضية محمد غميرة بالنسبة إلى المرحلة الجديدة.

السوريون لا يحتاجون فقط إلى تغيير في أسماء المؤسسات أو في شكل الخطاب الرسمي؛ إنهم يحتاجون إلى رؤية ثقافة مختلفة في التعامل مع السلطة.

والفرق بين الماضي والمستقبل قد لا يظهر في البيانات الكبيرة، بل في غرفة صغيرة داخل مخفر، عندما يكون مواطن ضعيفاً أمام عنصر يحمل سلطة القانون: هل يتعامل معه باعتباره إنساناً له حقوق، أم باعتباره شخصاً يمكن إخضاعه بالقوة؟ إن بناء جهاز شرطي مهني لا يعني افتراض أن جميع أفراده سيئون، ولا يعني تجاهل التحديات الكبيرة التي تواجه مؤسسات الدولة في مرحلة إعادة البناء؛ بل يعني وضع قواعد واضحة تمنع الخطأ، وتكشفه عندما يقع، وتعاقب مرتكبه، وتتعلم المؤسسة منه.

وهذا هو الجانب الذي ينبغي ألا تضيع فيه قضية غميرة: أن تتحول من حادثة مؤلمة إلى فرصة لمراجعة إجراءات التوقيف والتحقيق والتعامل مع الحالات الصحية، وتعزيز التدريب على حقوق الموقوفين، وتطوير آليات الرقابة الداخلية، وترسيخ مفهوم المسؤولية الفردية والمؤسسية.

فالعنصر الذي يرتكب تجاوزاً يجب أن يعرف أن القانون سيصل إليه، والمسؤول الذي يتقاعس عن منع التجاوز يجب أن يدرك أن مسؤوليته لا تنتهي عند حدود مكتبه، والمواطن يجب أن يعرف في المقابل أن الشرطة موجودة لحمايته وتطبيق القانون، لا لإذلاله.

إن الدولة لا تخسر هيبتها عندما تحاسب أحد أفرادها؛ بل تستعيد هيبتها.

والشرطة لا تضعف عندما يخضع أحد عناصرها للقانون؛ بل تصبح أكثر مهنية ومصداقية.

ولهذا فإن المحاسبة في هذه القضية ليست ضد المؤسسة الأمنية، وإنما لمصلحة المؤسسة الأمنية نفسها، لأنها ترسم الحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها أحد باسم السلطة.

وفي النهاية، فإن ما ينتظره السوريون من لجنة التحقيق ليس خطاباً جديداً، بل حقيقة واضحة.

وإذا ثبتت مسؤولية أشخاص عن التعذيب أو الضرب أو التقصير، فالمطلوب أن تكون المحاسبة قانونية وصريحة ومتناسبة مع الفعل والنتيجة، بعيداً عن النقل الإداري أو التسويات التي قد توحي بأن الزي الرسمي يوفر حماية خاصة.

وفي المقابل، فإن إعلان النتائج كاملة، بما فيها ما قد لا يكون مريحاً للمؤسسة، سيكون بحد ذاته خطوة لبناء الثقة.

فالثقة لا تُبنى بإنكار الأخطاء، ولا بإخفائها، وإنما بالقدرة على مواجهتها.

ولعل الرسالة الأهم التي يمكن أن تخرج من قضية محمد غميرة هي أن سوريا الجديدة لا تحتاج إلى شرطة لا تخطئ، فهذا مطلب غير واقعي، وإنما تحتاج إلى شرطة تعرف أن الخطأ حين يقع لا يُغطّى، وأن التجاوز حين يثبت لا يُبرر، وأن المواطن الذي يدخل مخفراً يبقى إنساناً كامل الحقوق حتى يخرج منه.

عندها فقط تصبح عبارة «دولة القانون» أكثر من شعار؛ تصبح ممارسة تبدأ من أصغر مخفر، ومن أبسط معاملة، ومن لحظة يكون فيها المواطن أضعف من السلطة.

والثقة، في نهاية المطاف، لا تُطلب من الناس؛ إنها تُبنى عندما يرون أن الدولة قادرة على أن تحاسب من يمثلها، وأن تقول بوضوح، ومن دون تردد: كرامة المواطن ليست موضع تفاوض، والقانون لا يستثني أحداً.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق