
الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد- القاهرة
كلُّ رحلةٍ في الحياة، مهما طال مداها، ليست سوى محاولةٍ سرية للعثور على مأوى. لا مأوى للجسد، بل لذلك الكائن المرتجف في أعماقنا الذي نسميه قلباً.
نغادر المدن، ونبدّل الوجوه، وننقل حقائبنا من محطةٍ إلى أخرى، ظانّين أن المسافات قادرة على محو ما يؤلمنا. لكننا نكتشف متأخرين أن الطرق لا تقود دائماً إلى الأمام، وأن بعض الرحلات ليست سوى دوائر واسعة تعيدنا إلى النقطة التي حاولنا الهرب منها أول مرة.
كل نافذةٍ أغلقتها الريح، فتحتها الذكرى.
وكل أثرٍ محاه المطر، أعاد الغياب كتابته بحبرٍ لا تراه العيون.
ثمة أشياء لا تموت لأنها لم تكن تسكن الأماكن أصلاً، بل كانت تسكننا نحن. ولهذا تعجز السنوات عن اقتلاعها. نغادر البيوت فتبقى روائحها عالقة في أرواحنا. نفارق الأشخاص فتستمر أصواتهم في التجول بين أفكارنا. ندفن الحكايات تحت ركام الأيام، فتنهض من جديد كلما لامسها الحنين.
للعتمة ذاكرة لا تشيخ.
إنها تحتفظ بنسخةٍ سرية من كل شيء. تحفظ ارتعاشة اليد التي لم تُمسك بيدٍ أخرى في اللحظة المناسبة. تحفظ الكلمات التي ماتت على أطراف الشفاه قبل أن تُقال. تحفظ الأبواب التي بقينا واقفين أمامها حتى أكل الصدأ مفاتيحها.
وكلما اعتقدنا أننا نجونا، أعادت إلينا ما أخفيناه بعناية.
نحن لا نهرب من الأماكن بقدر ما نهرب من النسخ القديمة لأنفسنا. من ذلك الشخص الذي كنّاه يوماً، والذي ما زال يجلس في مكانٍ ما داخلنا، يراقبنا بصمت، ويسألنا بين الحين والآخر: ماذا فعلتم بالأحلام التي سلمتكم إياها؟
أقسى الخسارات ليست تلك التي وقعت فعلاً.
أقساها تلك التي ظلت معلقة بين الممكن والمستحيل.
الحياة التي كان يمكن أن نعيشها.
الرسالة التي كان يمكن أن تصل.
اللقاء الذي كان يمكن أن يغيّر كل شيء.
ذلك الاحتمال الصغير الذي مرّ بجوارنا ذات يوم ولم ننتبه إليه، ثم أمضينا أعمارنا نتخيل شكله لو أنه بقي.
لهذا لا يتجسد الخيال إلا بعد أن يفلس في كل محاولات الهروب.
حين يركض الإنسان طويلاً، ويكتشف أن الطرق جميعها تؤدي إلى قلبه.
حين يتعب من مطاردة السراب، ويجلس أخيراً أمام نفسه دون أقنعة.
حين يدرك أن ما كان يبحث عنه في الجهات البعيدة، كان مختبئاً في أكثر الأماكن قرباً منه.
هناك فقط يبدأ الخيال في التشكل.
لا بوصفه حلماً.
بل بوصفه حقيقةً مؤجلة.
حقيقةً تكشف أن العمر لم يكن رحلة بحثٍ عن الآخرين، بل رحلة بحثٍ عن الذات التي ضاعت بين الزحام.
وفي النهاية، لا يعود السؤال: إلى أين وصلنا؟
بل يصبح السؤال الأشد وجعاً:
كم مرة مررنا بجوار السعادة دون أن نتعرف إلى وجهها؟
