الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

سوريا بين ثبات الموقف المصري وتحولات التوازن الإقليمي

في لحظة إقليمية شديدة الليونة، تبدو اللغة الرسمية المصرية تجاه سوريا وكأنها تعيد إنتاج ثوابتها التقليدية: وحدة الدولة، سيادتها، دعم مؤسساتها، ومكافحة الإرهاب. وهي المبادئ التي أكدها بدر عبد العاطي خلال لقائه الوزير أسعد حسن الشيباني. غير أن الاكتفاء بقراءة هذه الثوابت بوصفها دليلاً على الجمود، يغفل ما يجري تحت السطح من تحول في التموضع السياسي، لا في الخطاب.

لم تغيّر القاهرة عقيدتها تجاه سوريا، لكنها تتحرك اليوم في بيئة مختلفة جذرياً عما كانت عليه قبل سنوات. فالولايات المتحدة، التي قادت لعقد كامل مقاربة تقوم على العزل والعقوبات، باتت تميل إلى إدارة الصراع بدل حسمه، مع تقليص الانخراط المباشر وإعطاء مساحة أكبر لحلفائها الإقليميين.

هذا التحول لا يعني انسحاباً أميركياً كاملاً، بل إعادة توزيع للأدوار:

 • واشنطن تحتفظ بأدوات الضغط، بينما تترك هوامش الحركة التكتيكية لدول عربية مركزية، في مقدمتها مصر.

في هذا السياق، يمكن فهم الانفتاح المصري الحذر على دمشق بوصفه حركة ضمن سقف أميركي غير معلن، لكنه مضبوط.

والتحركات المصرية لا تأتي بمعزل عن مسار عربي أوسع يسعى إلى الانتقال من سياسة المقاطعة إلى سياسة الاحتواء التدريجي. غير أن القاهرة تتميز عن بعض العواصم العربية الأخرى بأنها:

• تتحرك ببطء محسوب

• تربط الانفتاح بشروط أمنية وسياسية واضحة

• وتحرص على عدم تجاوز الخطوط الأميركية الحساسة

وهنا تحديداً يظهر البعد الأهم إذ أن

مصر تختبر إمكانية إدماج دمشق ضمن توازن إقليمي جديد لا يصطدم مباشرة مع واشنطن.

في موازاة هذا الحراك، يستمر خطاب نقدي حاد في بعض الأوساط الإعلامية المصرية، استمراراً للسياسات السابقة، ومن المتوقع أن تتراجع مع التطور في العلاقات الثنائية.

هذه الفجوة ليست عرضية، بل تعكس توزيعاً وظيفياً ضمنياً:

 • الإعلام يعبّر عن التحفظات والضغوط، بينما تتحرك الدولة ضمن حسابات أكثر براغماتية.

وبالتالي، فإن استمرار النقد لا ينفي الانفتاح، بل قد يكون جزءاً من إدارته وتقييده سياسياً.

اللقاء الذي جمع الشرع والسيسي في نيقوسيا، لم يكن مجرد كسر للجليد الثنائي، بل جرى ضمن بيئة دولية تسمح بمثل هذا التواصل دون أن تعتبره خروجاً عن المسار العام.

وهنا تكمن النقطة الجوهرية:

الانفتاح العربي على سورية لم يعد يُنظر إليه كخروج عن الإرادة الأميركية، بل كأداة مكملة لها- بشرط أن يبقى تحت سقف الضبط السياسي والأمني.

ورغم غياب إعلان رسمي، يمكن قراءة تقاطع المصالح على النحو التالي:

الولايات المتحدة تريد منع عودة سورية كملف صراع مفتوح

 واحتواء النفوذ الإيراني في المنطقة.

 فيما مصر تريد استعادة دورها الإقليمي في ملفات المشرق

 ومنع انهيار الدولة السورية وتداعياته وفتح قنوات اقتصادية وسياسية تدريجية

أما دمشق، بقيادة الرئيس الشرع، فتحاول استثمار هذا التقاطع لكسر العزلة، دون تقديم تنازلات كبرى في المرحلة الحالية.

والخلاصة، توازن دقيق لا اختراق حاسم، فالموقف المصري لم يتغير في جوهره—وهذا صحيح. لكن الأهم أن وظيفته تغيرت.

فبعد أن كان جزءاً من حالة التجميد، أصبح اليوم جزءاً من آلية إدارة الانفتاح المحدود على سوريا، ضمن توازن دقيق بين:

• ضرورات الأمن القومي العربي

• وحدود القبول الأميركي

• وحسابات إعادة إدماج دمشق تدريجياً

إنها ليست لحظة تحول جذري، بل بداية مسار طويل عنوانه:

إعادة تعريف العلاقة مع سوريا دون كسر التوازن مع واشنطن.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق