الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

الحمام العثماني… ذاكرة «العديّة» التي تفوح بعطر البخور والتاريخ

يشكّل الحمام العثماني أحد أبرز المعالم التراثية في مدينة حمص القديمة، إذ شُيّد عام 1325هـ الموافق 1896م على يد عثمان آغا الجندي رحمه الله، ويقع بمحاذاة الأسواق الأثرية العريقة، مثل سوق الصاغة، وسوق المنسوجات، وسوق البازرباشي، ما منحه حضوراً تاريخياً واجتماعياً لافتاً عبر العقود.

ويمتاز الحمام بذوق معماري عثماني رفيع، يتجلّى في اتساعه، ودقّة بنائه، وتناظر عناصره، وغناه بالرخام المنزلي، والأقواس الحجرية، إضافة إلى بعض التزيينات الجدارية التي تعكس جماليات العمارة التقليدية في تلك الحقبة.

ويتألف الحمام من فسحة داخلية واسعة تحيط بها المصاطب، تتوسطها بحيرة رخامية أنيقة تنساب منها المياه بشكل متناوب، فيما أُطّرت المصاطب بدرابزين خشبية ثُبّتت بعناية على الجدران. وبجانب المدخل الرئيسي، من الجهة اليمنى، وُضعت طاولة «المعلّم» المخصّصة لاستقبال الزبائن وحفظ الأمانات والودائع.

وقد توقّف الحمام عن العمل لعقود طويلة، قبل أن يُعاد ترميمه منذ سنوات، وتجهيزه بغرف خاصة للمساج والساونا، وذلك تحت إشراف المديرية العامة للآثار والمتاحف، بما ينسجم مع طابعه الأثري ويحافظ على قيمته التاريخية.

ويتميّز الحمام باتساع مساحته الداخلية، وبطرازه المعماري العثماني الفريد، حيث تتداخل الحجارة البيضاء والسوداء المزخرفة لتشكّل لوحة بصرية غاية في الجمال.

ويتكوّن الحمام من عدة أقسام، أكبرها قسم «البرّاني» أو القسم الخارجي، والذي يضم بدوره مجموعة من المساحات، منها قسم الاستراحة بعد الاستحمام، وهو مرتفع عن سطح الأرض بأكثر من نصف متر تقريباً، ويُعرف باسم «الليوان»، إضافة إلى قسم «الصالية» التي كانت تُقام فيها قديماً حفلات الأعراس الفلكلورية، وقسم مخصّص لتبديل الملابس.

ومن البرّاني، ينتقل الزائر إلى قسم «الوسطاني الأول»، حيث ترتفع درجة الحرارة تدريجياً لتهيئة الجسم للاستحمام، ثم إلى قسم «الوسطاني الثاني» الذي يحتوي على الأجران وصنابير المياه. ويلي ذلك قسم «بيت النار» أو «الجواني»، وهو الأكثر حرارة، حيث تتم عملية الاستحمام باستخدام «كيس الحمام»، المصنوع من الكتان الأسود، لفرك الجسد وتنشيط الدورة الدموية. كما يضم هذا القسم غرفة بخار مخصّصة للاسترخاء، تسهم في زيادة ليونة المفاصل والشعور بالراحة الجسدية.

ويظل الحمام العثماني في حمص شاهداً حيّاً على ذاكرة اجتماعية وثقافية غنية، تعبق بعطر البخور، وتحفظ بين جدرانه حكايات المكان والناس والتاريخ.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق