الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

الأديب والمفكر السوري قسطاكي الحمصي.. رائد النهضة الثقافية بحمص

يُعدّ الأديب والمفكر السوري قسطاكي الحمصي واحداً من أبرز أعلام النهضة الفكرية والأدبية في سورية، وأحد الأسماء التي ارتبطت مبكراً بحركة التنوير ونشر الثقافة والتعليم في مدينة حمص، وترك بصمة راسخة في المشهد الثقافي العربي.

وُلد قسطاكي الحمصي في حمص عام 1858، ونشأ فيها متلقّياً تعليمه الأولي، قبل أن ينتقل إلى بيروت لمتابعة دراسته في الكلية الإنجيلية السورية، التي عُرفت لاحقاً بالجامعة الأمريكية في بيروت. هناك، انفتح على آفاق معرفية واسعة، فدرس الأدب والعلوم، وأتقن عدة لغات، من بينها العربية والفرنسية والتركية والإنجليزية، ما أسهم في تكوين شخصيته الفكرية ومنحه مكانة مرموقة بين مثقفي عصره.

ولم يكتفِ الحمصي بالتحصيل العلمي، بل انخرط مبكراً في العمل الأدبي والصحافي، فأسس عام 1885 جريدة «الفيحاء»، لتكون أول صحيفة تصدر في مدينة حمص، ومنبراً حراً دعا من خلاله إلى الإصلاح الاجتماعي والثقافي. كما ساهم بمقالات فكرية وأدبية في عدد من أبرز الصحف والمجلات العربية، مثل «المقتطف» و«الهلال» و«المقتبس»، تناول فيها قضايا التعليم وحقوق المرأة، وطرح آراء جريئة سبقت عصرها.

وبرز الحمصي أيضاً في مجال الترجمة، حيث نقل إلى العربية أعمالاً أدبية عالمية كبرى، من بينها مسرحيتا شكسبير «هاملت» و*«روميو وجولييت»*، إلى جانب رواية «البؤساء» لفيكتور هوغو، كما اهتم بترجمة النصوص التاريخية والفلسفية، إيماناً منه بأهمية الحوار بين الثقافات والانفتاح على الفكر الإنساني.

وفي ميدان التأليف والتحقيق، وضع عدداً من المؤلفات المهمة، أبرزها كتاب «منتخبات اللغات»، وهو معجم لغوي، وكتاب «الدرّ المنتخب في تاريخ مملكة حلب»، إضافة إلى جهوده في نشر وتحقيق كتب تراثية نادرة، مثل «نثار الأزهار في الليل والنهار» لابن عربي.

وكان لقسطاكي الحمصي دور وطني وثقافي بارز في الدفاع عن الهوية العربية في مواجهة سياسة التتريك العثمانية، كما دعا إلى تعليم المرأة، وأسّس مكتبة عامة في مدينة حمص، لتكون فضاءً مفتوحاً لنشر المعرفة وترسيخ ثقافة القراءة. وقد آمن طوال حياته بضرورة الموازنة بين الأصالة والتراث من جهة، والحداثة والانفتاح من جهة أخرى.

رحل قسطاكي الحمصي عن عمر ناهز 83 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً وأدبياً غنياً من الكتب والمقالات، التي ما زالت تشكّل مرجعاً مهماً في تاريخ النهضة العربية. ووفاءً لمسيرته، أطلقت مدينة حمص اسمه على أحد شوارعها، كما أقامت له مدينة حلب نصباً تذكارياً في منطقة العزيزية.

ويبقى قسطاكي الحمصي نموذجاً حياً للمثقف العربي الملتزم بقضايا مجتمعه، الذي جمع بين عمق الجذور ورحابة الأفق، وسعى إلى بناء وعي إنساني منفتح يحفظ الهوية ويؤمن بالحضارة.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق