29.4 C
دمشق
11.10.2026
الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

اقتصاد الغضب.. حين تتحول مشاعرنا إلى أرباح

لم تعد مشاعر الإنسان في العالم الرقمي شأنًا شخصيًا خالصًا، فالغضب الذي كان ينتهي بانتهاء الموقف، أصبح اليوم مادة قابلة للتداول والاستثمار، وربما مصدرًا للربح. وكما يشير عبد الله الضامن في مقالته «فخ الغضب»، فإن المنصات الرقمية لا ترى جرح الكرامة الذي دفعنا إلى التفاعل، بل ترصد السلوك الناتج عنه: تعليقًا غاضبًا، أو مشاركة متسرعة، أو عودة متكررة إلى مقطع أثار انفعالنا.

لكن كيف يتحول الغضب إلى قيمة اقتصادية؟

تعتمد منصات التواصل على خوارزميات تراقب أنماط التفاعل، مثل مدة المشاهدة، وعدد التعليقات، والمشاركات، وما يجذب انتباه المستخدم ويجعله يعود إلى المحتوى. والمحتوى المثير للغضب غالبًا ما يدفع الناس إلى الرد والدفاع والجدال، فيزداد انتشاره، وتطول مدة بقاء المستخدم أمام الشاشة، وترتفع قيمة المساحات الإعلانية المرتبطة بهذا الانتباه.

وهكذا، قد يصبح الخلاف وقودًا للانتشار، لا لأن الحقيقة انتصرت، بل لأن الانفعال استمر. وقد يجد المستخدم نفسه داخل دائرة مغلقة؛ يرى ما يستفزه، فيعلّق، ثم تقترح عليه المنصة محتوى مشابهًا، فيزداد غضبه ويواصل التفاعل، بينما تتحول مشاعره إلى بيانات تستفيد منها المنظومة الرقمية.

ولا يعني ذلك أن كل منصة تتعمد إثارة الغضب في كل مرة، لكن تصميم الأنظمة التي تكافئ التفاعل الواسع قد يمنح المحتوى المستفز أفضلية، حتى عندما يكون مضللًا أو مؤذيًا. وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يتراجع النقاش الهادئ أمام الصخب، وتختلط الرغبة في الفهم بالحاجة إلى الانتصار، ويصبح الإنسان أسير رد فعله بدلًا من أن يكون صاحب قراره.

إن مواجهة اقتصاد الغضب لا تبدأ بإغلاق المنصات، بل باستعادة الوعي: أن نتوقف قبل المشاركة، ونتحقق قبل التصديق، ونسأل أنفسنا: هل أضيف إلى النقاش شيئًا، أم أمنح الاستفزاز انتشارًا مجانيًا؟

فليست كل معركة تستحق أن نخوضها، وليس كل ما يستفزنا يستحق أن نمنحه وقتنا.

حين نفهم كيف يُستثمر غضبنا، نستعيد حقنا في أن نشعر دون أن نُستغل، وأن نختلف دون أن نصبح وقودًا لأرباح الآخرين.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق