الصدى – حمص – فكرات أصلان
في مدينة حمص، حيث تتقاطع الذاكرة مع الحكايات القديمة، يعيش عبد المسيح الخوري، المولود في حمص عام 1922، حاملاً معه تجربة تمتد لعقود من الاهتمام بالثقافة والأدب والشعر والعمل في مجال السينما، إلى جانب علاقات واسعة جمعته بأسماء ثقافية وسياسية من سورية والعالم العربي وخارجه.
الخوري، الذي تجاوز المئة عام، ما زال يحتفظ بحضوره الاجتماعي واهتمامه بالقراءة والشعر، ويستعيد من ذاكرته محطات مختلفة من حياته، متحدثاً عن الثقافة والإنسان والعلاقات الاجتماعية بلغة بسيطة بعيدة عن التعقيد.
بدأت علاقته بالعمل السينمائي في أربعينيات القرن الماضي، وكان من أوائل الحاصلين على ترخيص لبناء دور السينما، حيث شارك مع شقيقه جوزيف في بناء عدد من دور السينما، من بينها سينما الأوبرا، إضافة إلى سينما الحمراء والزهراء. ويرى الخوري أن السينما لم تكن مجرد مكان للترفيه، بل وسيلة تحمل رسالة حضارية وثقافية للمجتمع.
وخلال مسيرته، ارتبط الخوري بعلاقات مع عدد من الشخصيات السياسية والثقافية، بينهم رؤساء من دول عربية وأجنبية، كما حصل على شهادات تقدير لقاء نشاطه واهتمامه بالمجال الثقافي.
أما الشعر والأدب، فكان لهما حضور خاص في حياته، وارتبط بعلاقة وثيقة مع الشاعر السوري نزار قباني، الذي كان يزوره في منزله. كما شهد منزله لقاءات جمعت عدداً من الشعراء والمثقفين، ومن بينهم نزار قباني، خلال أربعينية الشاعر وصفي قرنفلي.
ولا يتحدث الخوري عن الثقافة باعتبارها منفصلة عن الحياة اليومية، بل يربطها بطريقة تعامل الإنسان مع الآخرين. ويقول إن الدين بالنسبة إليه هو المعاملة الحسنة، وإن الكلمة الطيبة والوجه المبتسم والكرم من أهم ما يمكن أن يمتلكه الإنسان في علاقاته مع محيطه.
ومن بين النصائح التي يكررها، أن الإنسان الحقيقي هو من يضحك في وجهك ويمدحك في غيابك، مستشهداً بالحديث المعروف: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف».
وللمرأة مكانة واضحة في رؤيته للحياة، إذ يصفها بأنها أساس الأسرة والمجتمع، ويقول: «إنها الحياة كلها، فهي حاضنة للأطفال، ومربية للأجيال، وصانعة للرجال، فهي جوهرة لا تقدر بثمن».
وفي حديثه عن الحياة، يرى الخوري أن الصحة والأمان من أعظم ما يمكن أن يملكه الإنسان، وأن الغنى الحقيقي لا يقاس بما يملكه الشخص من مال، بل بما يعيشه من صحة واستقرار وأمان. كما يؤكد مبدأً يعتبره أساساً للعلاقات الإنسانية: «من يريد من الناس أن يسمعوا منه، عليه أن يسمع منهم».
ويحضر الأصدقاء في حياة الخوري بوصفهم جزءاً من هذه الرحلة الطويلة، ومن أبرز المقربين منه المهندس غسان قره كلا وزوجته أم فادي، اللذان يحرصان على الوقوف إلى جانبه وتأمين ما يحتاج إليه.
بين القراءة والشعر والسينما، وبين ذاكرة حمص وأسماء كثيرة عرفها خلال عقود طويلة، يحتفظ عبد المسيح الخوري بسيرة شخصية وثقافية تستحق التوقف عندها، ليس باعتبارها حكاية عمر طويل فحسب، وإنما بوصفها جزءاً من ذاكرة مدينة عاشت تحولات كثيرة، وكان للثقافة والفن فيها حضور لا يزال حاضراً في ذاكرة أبنائها.
