
بقلم الكاتبة الروائية هدى حجاجى أحمد- مصر
تغيّرت المفاهيم حتى اختلّت موازين الأشياء، ولم يعد القبح يخجل من ظهوره، ولا الباطل مضطراً إلى الاختباء خلف ستارٍ من التبرير. أصبحنا نعيش زمناً غريباً؛ زمناً يستطيع فيه الخطأ أن يرفع رأسه عالياً، بينما يُطالب صاحب الحق في كل مرة بتقديم الأدلة على أنه لم يخطئ!
لم تعد المشكلة في كثرة الأصوات، وإنما في قلة الإنصات. فالجميع يتحدث، والجميع يملك منصة، والجميع قادر على صناعة روايته الخاصة، لكن قليلين هم الذين يسألون: أين الحقيقة؟
لقد أصبح الانحراف عند البعض مجرد «وجهة نظر»، والخداع «شطارة»، والانتهازية «ذكاءً اجتماعياً»، والصمت عن الخطأ «حكمة»، بينما تتحول الاستقامة إلى سذاجة، والصدق إلى ضعف، والتمسك بالمبادئ إلى تهمة بالتعقيد أو التخلف عن مواكبة العصر.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية: حين لا يعود المجتمع قادراً على التمييز بين الاختلاف والانحراف.
فالاختلاف حق، ومن الطبيعي أن تتعدد الآراء والرؤى، لكن تحويل كل شيء إلى وجهة نظر لا يعني أننا أصبحنا أكثر تحضراً؛ بل قد يعني أننا فقدنا القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها.
ليس كل ما يقال رأياً يستحق الاحترام، وليس كل موقف قابلاً للتبرير، وليس كل من يرفع صوته صاحب حق.
لقد صنعت منصات التواصل واقعاً جديداً؛ لم تعد الشهرة دائماً نتيجة معرفة أو إبداع أو قيمة، بل قد تصبح نتيجة قدرة صاحبها على إثارة الجدل. وهكذا يتقدم الصخب أحياناً على الحكمة، وتنتشر الجملة المثيرة أسرع من الحقيقة، ويصبح صاحب المعلومة الدقيقة أقل حضوراً من صاحب الرواية الأكثر إثارة.
وهنا يصبح الضجيج خطراً حين يتحول إلى معيار للحقيقة.
الأخطر من وجود الباطل هو أن يعتاد الناس رؤيته حتى لا يعودوا يشعرون بقبحه. فالفساد الذي نستنكره في بدايته قد يتحول مع الوقت إلى أمر مألوف، والكذب الذي كان عيباً قد يصبح «ذكاءً»، والتملق الذي كان مهيناً قد يصبح طريقاً للصعود، ومن يرفض المشاركة في هذه اللعبة يُتهم بأنه لا يفهم قواعد الحياة!
لكن الحقيقة لا تتغير لأن عدداً كبيراً من الناس تجاهلها، كما أن الخطأ لا يصبح صواباً لأنه حاز تصفيقاً واسعاً.
الأغلبية ليست دائماً معيار الحق، والضجيج ليس دليلاً على الحقيقة.
نحن بحاجة إلى استعادة شيء يبدو بسيطاً لكنه أصبح نادراً: البصيرة.
أن نرى ما وراء الكلمات، وأن نقرأ الأفعال لا الشعارات، وأن نقيس الإنسان بما يفعل حين لا يكون هناك جمهور يصفق له. فالقيم الحقيقية لا تحتاج إلى مكبرات صوت، والإنسان المستقيم لا يحتاج إلى صناعة صورة مثالية عن نفسه؛ يكفي أن يكون صادقاً حين لا يراقبه أحد.
ولعل أخطر ما أصاب موازيننا أن البعض لم يعد يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عما يؤكد موقفه مسبقاً. فإذا وافقته الحقيقة احتفى بها، وإذا خالفته هاجمها. وهكذا أصبح الرأي أحياناً أقوى من الحقيقة، والانتماء أقوى من الضمير، والمصلحة أقوى من المبدأ.
لكن المجتمعات لا تنهار فقط حين ينتشر الباطل، بل حين يصمت أهل الحق حتى يصبح الباطل هو الصوت الأعلى.
لسنا مطالبين بأن نتفق جميعاً، ولا بأن نرى العالم بعين واحدة، لكننا مطالبون ألا نفقد البوصلة الأخلاقية التي تميز بين الحرية والفوضى، وبين الاختلاف والتطاول، وبين الذكاء والانتهازية، وبين التسامح والتنازل عن الحق.
فليس عيباً أن تكون مختلفاً، وليس عيباً أن تقول «لا» حين يقول الجميع «نعم».
العيب الحقيقي أن تعرف الحق ثم تتخلى عنه خوفاً من الناس، وأن ترى الخطأ ثم تصمت لأن التصفيق في الجهة الأخرى أعلى.
وفي زمن اختلطت فيه الموازين، ربما أصبح التمسك بالمبدأ فعلَ مقاومة.
فالاستقامة ليست تهمة، والصدق ليس سذاجة، والضمير ليس عبئاً، والحق لا يحتاج إلى صخب كي يكون حقاً.
قد يخسر صاحب المبدأ معركةً عابرة، وقد يتقدم عليه المتلونون في الطريق، لكن التاريخ لا يحفظ طويلاً من أتقنوا الرقص فوق الحبال؛ بل يتذكر أولئك الذين ثبتوا حين كان الثبات مكلفاً، وقالوا الحقيقة حين كان الصمت أكثر أماناً.
لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يعيش في زمنٍ يكثر فيه الباطل… بل أن يفقد القدرة على الشعور بأنه باطل.
