27.9 C
دمشق
12.07.2026
الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

وطن على مقاس الحاكم أم على مقاس الناس؟

في زحمة الأزمات، وبين ارتفاع الأسعار وتآكل الأحلام وضيق المساحات التي يتنفس منها المواطن البسيط، يخرج سؤال ساخر في ظاهره، موجع في جوهره:

“بعدكم تريدون وطن؟!”

سؤال يبدو وكأنه نكتة سياسية عابرة، لكنه في الحقيقة يختصر حالة من الإحباط العربي الممتد منذ عقود. فالوطن ليس قطعة أرض فقط، ولا علماً يرفرف فوق المباني الحكومية، ولا أناشيد تُردد في المناسبات الرسمية. الوطن هو شعور الإنسان بالأمان والكرامة والعدالة والانتماء.

المشكلة أن كثيراً من الأنظمة اعتادت أن تتعامل مع الوطن باعتباره ملكية خاصة، بينما المواطن مجرد مستأجر مؤقت يدفع ثمن البقاء كل يوم من عمره. وحين يطالب الناس بحقوقهم الأساسية، أو يحلمون بمستقبل أفضل، يتحول الحلم نفسه إلى تهمة، ويصبح السؤال عن العدالة نوعاً من التمرد.

كم مرة سمعنا أن الوطن بخير بينما المواطن يزداد فقراً؟

وكم مرة قيل لنا إن الإنجازات عظيمة بينما الشباب يهاجرون بحثاً عن فرصة حياة؟

وكم مرة رُفعت الشعارات الكبيرة بينما تتسع الفجوة بين الحاكم والمحكوم؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس وجود معارضة أو اختلاف في الرأي، بل أن يفقد الناس إيمانهم بأن هذا الوطن يمثلهم حقاً. فالأوطان لا تُبنى بالإسمنت وحده، ولا بالكباري والطرق فقط، بل تُبنى بالإنسان أولاً. بالمدرسة التي تفتح أبواب المستقبل، والمصنع الذي يحفظ كرامة العامل، والمستشفى الذي يحمي الفقير قبل الغني، والقانون الذي يقف على مسافة واحدة من الجميع.

الوطن الحقيقي هو الذي يشعر فيه المواطن أن صوته مسموع، وأن تعبه ليس بلا قيمة، وأن أبناءه لن يضطروا للبحث عن أحلامهم في بلاد أخرى.

أما حين يتحول الوطن إلى مجرد شعار يُرفع، بينما تُسحق أحلام الناس تحت أقدام الأزمات، فإن السؤال الساخر يعود من جديد:

أي وطن نريد؟

هل نريد وطناً يُطلب منا أن نحبه فقط؟

أم وطناً يحب أبناءه أيضاً؟

فالحب علاقة متبادلة، والانتماء ليس أمراً يصدر بقرار، ولا يُفرض بخطاب أو لافتة. الانتماء يولد حين يشعر الإنسان أن هذا المكان يحفظ كرامته ويصون حقه ويمنحه أملاً يستحق أن يعيش من أجله.

ولذلك سيظل الناس يحلمون بوطن أفضل مهما اشتدت الأزمات، لأن فكرة الوطن أكبر من الحكومات وأبقى من الساسة. فالأوطان الحقيقية لا تعيش بالخوف، بل بالعدالة. ولا تُحفظ بالصمت، بل بالمشاركة. ولا تزدهر بالشعارات، بل بالإنسان.

وحين يصبح الإنسان هو الأولوية، لن يسأل أحد ساخرًا: “بعدكم تريدون وطن؟”

بل سيقول بثقة:

نعم… نريد وطناً يليق بنا، ونليق به.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق