الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

المفكر والباحث الأنثروبولوجي الدكتور “محمد ياسر شرف” بضيافة “الصدى”

بين النظرية والتطبيق، وبين فكر الكبار وتربية الصغار، يقف “ضيفنا” اليوم كجسر واصل، إنه مفكر بحث في أعماق القضايا، وباحث ترجم علمه إلى مناهج.

 مدرس ظل سنوات يعلم الحروف والمعاني، ومربي غرس القيم في قلوب الأجيال، إنه الأستاذ الدكتور “محمد ياسر الذي شرف”،  سعدنا باستضافته في موقع “الصدى” وكان لنا معه الحوار التالي:

رغم بعض المثالب القليلة في وسائط التواصل الجمعية والأجهزة الرقمية الراهنة، لا أعتقد أن الجيل الحالي قد خسر شيئاً جيداً ولا يعوّض من طرائق التعليم. بل يمكن أن يقال العكس تماماً؛ فالجيل الراهن كسب أموراً إيجابية كثيرة في التعليم، لا تقف عند طُرقه، بل تتجاوز ذلك إلى المناهج والتجارب والأدوات والأجهزة المساعدة وطرائق الإيضاح، وأمور متعددة تتصل بذلك كلّه. وهذا الكلام ينطبق في المجالات المعرفة كلّها، لأنها ـ دون استثناء ـ تغتني بالتراكم الذي يفضي إلى تغييرات كيفية، وتتحسّن بالمعاودة والتهذيب وتبادل الخبرات.

محادثة جانبية مع مدير موقع “الصدى” الأستاذ خالد الغزي

ثلاثة المفاتيح المختارة يمكن أن أعدّها في: ضرورة أن يكون الراغب في فهم عالمي الإبداعي ـ وليس الأدبي فقط ـ عارفاً بالمحدّدات الأدبية والاجتماعية والفكرية لكلٍ من منهجية البحث في الأدب وعلم الاجتماع والفلسفة والتربية، ولديه استعداد لقبول أفكار جديدة، وتمييز طرق تقديم المعطيات المعرفية القابلة للتحقّق. فهذه مجالات تخصّصي الأكاديمي، وقد واظبت على تكريسها في كتبي المنشورة التي جاوزت «مئة» كتاب، يمكن الحصول على نسخها الإلكترونية هدية من موقع (google drive) من ملف عنوانه: كتب محمد ياسر شرف. تضاف إليها بضع عشرات من الكتب المشتركة الإنتاج مع زملاء أو مؤلّفين آخرين، تناولت أعمالاً في الإعداد والتحقيق والترجمة وسواها.

مئات الكتب التي قرأتها ما تزال بعض محتوياتها تتردّد على لساني وفي كتاباتي، ولا أعتقد أن الأصالة تحتاج إلى كتاب واحد بعينه يُقرأ في فترة مبكرة من العمر لكي يبقى «يعيش في الداخل». فهذه سذاجة كان القدماء يكرّرونها لتكريس اجترارات كتابات السابقين القلائل من الذين كانوا يعرفون الكتابة في مجتمعات غلبت فيها أمّية القراءة والكتابة، وبحجة المحافظة على التراث أو الاستفادة من «سبق» الأسلاف الأوائل، الذين أعتقد أن التجارب والمقارنات النصية تؤكد أنه قد تمّ تجاوزهم منذ أجيال متعدّدة، وغدوا من محتويات تواريخ الماضي.

خارج المجال الأدبي الانطباعي أو القائم على التداعي والإشراط والانفعال الآني وغيرها مما يعرفه المشتغلون بالنقد والتحليل النفسي، لا شيء يأتي دون إعدادٍ وتوقّع نسبيين. فالانشغال الفكري يعمل بصورة تراكمية لا تعتمد على الفجاءة التامة، ولو حدث شيء من هذا شكلياً فهو نتاج بحث وإعداد سابقين بدرجة أو بأخرى. مثال ذلك أنه لو خطرت عشرات المسائل التي تردّدت في تفكير «دانتي» أو «نيوتن» لدى آلاف من الأشخاص العوام أو العاديين، لما استطاع أحد منهم أن يكتب «الكوميديا الإلهية» أو يصوغ «قانون الجاذبية». وقد تتولّد أفكار متعدّدة في أثناء العمل على موضوع معيّن، فيعمد الباحث الجاد إلى وضع ملاحظاته الخاصة بذلك للعودة إليها لاحقاً، إذا كانت تستحق الإفراد أو الضمّ لبحث آخر.

أكتب وفق خطة منهجية، أي إنها تتضمن ـ بطبيعتها التكوينية ـ متسعاً لظهور الجديد أو ما قد يُسمى «المفاجآت» التي لا تعنى أكثر من تغيير المبدع أو الباحث رأيه حول مسألة بحثية أو طريقة معالجة أو ترجيح دلالي. وهذا من ما يدخل في احتمالات ترتيب الفصول والأبواب ومحتوياتها، وغير ذلك من فاعليات عرض المادة المعرفية، وتقديم المذخور من معلومات ومعالجة مضمونها، حسب ما يقرّر المؤلف إزاء مدى اتفاقها مع الخطة البحثية أو بُعدها عن ذلك.

اتبعتُ أكثر من منهج تأليفي في كتبي، اعتماداً على موضوع البحوث والأغراض الرئيسة المراد تحقيقها في كلٍ منها، وغالباً ما تلامحت العمليات التحليلية النقدية في أكثر ما أنتجت، وخاصة القضايا التي قدّمت فيها دراسةً أنثروبولوجية ثقافية مقارنة، نظراً لما يمكن تقديمه للقارئ والباحث المختصّ معاً، من نموذج قابل للمحاكاة والمقاربة. وعددتُ أن أهمّ ضروب النقد السلبي نوعان: أحدهما صادر عن متخصّص وهذا يسهل التعامل معه، بالاحتكام للمناهج والمذخور المعرفي المشترك، وهو يغني العمل الفكري. والنوع الثاني من النقد السلبي مبني على قصور معرفي أو توهّم شخصي، وكلاهما يمكن تركه، إذ من يريد التعبير عن معارفه الشخصية في أعمال غيره يستطيع إنشاء بدائل قابلة للمضاهاة؛ فتزيد وجهات النظر في الأمور المطروحة، ويظهر الصواب من غيره تحت أنظار المختصين.

لا أكتب- في الأعمّ الأغلب- لغير المتعلّمين والمتخصّصين، وأترك قطاعات عريضة من القرّاء لكتّاب يتوجّهون إليهم، مع إدراكي التام لواقع أن كلّ كتاب يستدعي طريقة منهجية بحسب محتواه وموضوعاته وأهمّية أطروحاته.

أتمنى على الجيل الذي يُعدّ نفسه لتوفير جديدِ المنجَز الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وغيرها، أن يقبل على التفاعل مع نواتج البحوث الحديثة ونتائج التجارب المتجددة، والتعامل مع احتمالات تصوّرات المستقبل، مهما تكن مغريات التقليد التكرارية للماضي جاذبة. فالعمل مع مقتضيات الغد يجعلنا نضع خططاً مستقبلية واعدة ويخرجنا من دوامة التعديل والترقيع والتأويل والتقريب وأمثالها، ويبثّ فينا شعوراً بأننا قادرون على الفعل وقادرون على المشاركة في تكوين المجتمعات المتقدمة حضارياً.

 الأستاذ الدكتور “محمد ياسر شرف” باحث ومفكر أكاديمي، سوري الجنسية، مولود عام ١٩٤٤

– اشتغل في التدريس والتدريب والإدارة والإعلام، ثم تفرّغ للبحث والتأليف.

– نشر في دوريات متعدّدة، وحاور في مواقع إعلامية متنـوّعة.

– شارك في التأسـيس وإدارة هيـئـات البـحـث في العـلوم الإنسـانية والاجتماعية، وكتابة وتعديل المواد الثقافية في التوثيق والتحليل والنقد.

حائز على:

– ليسانس في الآداب، جامعة دمشق ١٩٦٨.

– دبلوم عامة في التربية، جامعة دمشق ١٩٦٩.

– دبلوم عليا في الفلسفة، جامعة دمشق ١٩٧٤.

– ماجستير في الدراسات الفلسفية والاجتماعية، جامعة دمشق ١٩٧٧.

– دكتوراه الفلسفة في التصوف، أكاديمية أكسفورد للدراسات العليا ١٩٨٩.

– دبلوم دكتوراه الدولة في الفلسفة، جامعة القديس يوسف، بيروت ١٩٩٣.

– دكتوراه الفلسفة في العلوم الاجتماعية، أكاديمية أذربيجان للعلوم، باكو ١٩٩٨

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق